فصل: فصل: (في قتل الحر بالعبد)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الاختيار لتعليل المختار ***


بسم الله الرحمن الرحيم

كتاب الصيد

وهو مصدر صاد يصيد وينطلق على المفعول، يقال‏:‏ صيد الأمير، وصيد كثير، ويراد به المصيود، وينشد‏:‏ صيد الملوك أرانب وثعالب ومثله الخلق والعلم ينطلق على المخلوق والمعلوم‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏هذا خلق الله ‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 11‏]‏ أي مخلوقه، ولهذا قلنا إذا قال‏:‏ وعلم الله لا يكون يمينا لأن المراد معلومه‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وهو جائز بالجوارح المعلّمة والسهام المحددة لما يحل أكله لأكله، وما لا يحل أكله لجلده وشعره‏)‏ أما الجواز فلقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا حللتم فاصطادوا‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 2‏]‏ وقوله‏:‏‏)‏ أحل لكم صيد البحر‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 96‏]‏ الآية‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 4‏]‏‏.‏ وقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏الصيد لمن أخذه‏)‏ وقوله لعدي بن حاتم‏:‏ ‏(‏إذا أرسلت كلبك المعلّم وذكرت اسم الله عليه فكل، وإذا رميت سهمك وذكرت اسم الله عليه فكل‏)‏‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏والجوارح ذو ناب من السباع وذو مخلب من الطير‏)‏ وهو أن يكون يكتسب بنابه أو مخلبه ويمتنع به، لأن المراد من قوله من الجوارح التي تجرح، وقيل الكواسب‏.‏ ومكلبين‏:‏ أي مسلطين، واسم الكلب لغة ينطلق على كل سبع حتى للأسد، فيجوز الاصطياد بكل ذي ناب من السباع لعموم الآية، إلا ما كان نجس العين كالخنزير، لأنه لا يحل الانتفاع به‏.‏ ولا يجوز الاصطياد بالأسد والذئب فإنهما لا يتعلمان، وكذلك الدب حتى لو تعلموا جاز‏.‏ وعن أبي حنيفة في ابن عرس‏:‏ إذا علّم فتعلم جاز‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولا بد فيه من الجرح وكون المرسل أو الرامي مسلما أو كتابيا، وذكر اسم الله تعالى عند الإرسال والرمي، وأن يكون الصيد ممتنعا، ولا يتوارى عن بصره، ولا يقعد عن طلبه‏)‏ أما الجرح ليتحقق اسم الجارح ولأنه لا بد من إراقة الدم كالذكاة الاختيارية، فلو قتله صدما أو جثما أو خنقا لم يؤكل لعدم الجرح؛ وأما صفة المرسل فلأنه كالذبح ولا يجوز ذبح غيرهما؛ وأما ذكر اسم الله تعالى فلقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل‏)‏ شرط التسمية لحل الأكل؛ وأما كونه ممتنعا فلأن الصيد اسم للممتنع، ولأن الجرح إنما جعل ذكاة ضرورة العجز عن الذكاة الاختيارية، والعجز إنما يكون في الممتنع حتى لو رمى ظبيا مربوطا وهو يظن أنه صيد فأصاب ظبيا آخر لم يؤكل، لأن بالربط لم يبق صيدا؛ ولو رمى بعيرا نادّا فأصاب صيدا آخر أكل لأنه لما ندّ صار صيدا؛ وقوله لا يتوارى عن بصره ولا يقعد عن طلبه، فإنه صلى الله عليه وسلم كره أكل الصيد إذا غاب عن الرامي وقال‏:‏ ‏(‏لعل هوام الأرض قتلته‏)‏ ولأن احتمال الموت بسبب آخر موجود فلا يحل به، والموهوم كالمتحقق لما مر، إلا أنه سقط اعتباره إذا لم يقعد عن طلبه لأنه لا يمكنه الاحتراز عنه‏.‏ وفي الحديث ‏(‏كل ما أصميت ودع ما أنميت‏)‏ أصميت الصيد‏:‏ إذا رميته فقتلته وأنت تراه، وقد صمى الصيد يصمى‏:‏ إذا مات وأنت تراه، ورميت الصيد فأنميته إذا غاب عنك ثم مات، هكذا فسره صاحب الصحاح‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وتعليم ذي الناب كالكلب ونحوه ترك الأكل، وذي المخلب كالبازي والصقر ونحوهما الاتباع إذا أرسل والإجابة إذا دعي‏)‏ روي ذلك عن ابن عباس، ولأن التعليم بترك العادة الأصلية، وعادة ذي المخلب النفار، فإذا أجاب إذا دعي فقد ترك عادته وصار معلما، وعادة ذي الناب الافتراس والأكل، فإذا ترك الأكل فقد ترك عادته فصار معلما؛ ولأن التعليم بترك الأكل إنما يكون بالضرب حالة الأكل وجثة الطير لا تحتمل الضرب، أما الكلب يحتمله فأمكن تعليمه بالضرب على ذلك، والفهد ونحوه يحتمل الضرب وعادته الافتراس والنفار، فيشترط فيه ترك الأكل والإجابة جميعا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ويرجع في معرفة التعليم إلى أهل الخبرة بذلك ولا تأقيت فيه‏)‏ لأن المقادير لا تعرف اجتهادا بل سماعا ولا سمع فيفوض إلى أهل الخبرة به، ولأن ذلك يختلف باختلاف طباعها، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه قال‏:‏ لا تأكل أول ما يصيده ولا الثاني وكل الثالث‏.‏ وقال أبو يوسف ومحمد‏:‏ إذا ترك الأكل ثلاث مرات صار معلما ولا يؤكل الثالث، لأن العلم لا يثبت بالترك مرة لاحتمال أنه تركه شبعا أو خوفا من الضرب فلا بد من المرات وأقله ثلاثة لأنها لإبلاء الأعذار، ولا يؤكل الثالث لأن بعدها حكمنا بكونه عالما، وعلى رواية الحسن يؤكل لأن بالثالثة علمنا أنه عالم فكان صيد جارحة معلّمة فيؤكل‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏فإن أكل أو ترك الإجابة بعد الحكم بتعليمه حكم بجهله وحرم ما بقي من صيده قبل ذلك‏)‏ وقالا‏:‏ لا يحرم إلا الذي أكل منه لأنا حكمنا بحل صيده قبل ذلك بالاجتهاد فلا ينقض باجتهاد مثله‏.‏ وله أن بالأكل علمنا جهله، لأن الصيد حرفة قلما تنسى، فلما أكل علمنا أنه لم يكن عالما فيحرم جميع ما صاده قبل ذلك لأنه صيد كلب غير معلّم، وتثبت الحرمة فيما بقي من صيده، لأن ما أكل لم يبق محلا للحكم، والاجتهاد يترك بمثله قبل حصول المقصود وهو الأكل كاجتهاد القاضي إذا تبدل قبل القضاء، وما كان في المفازة من صيد فحرام بالإجماع‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن ترك التسمية ناسيا حل‏)‏ لقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏رفع عن أمتي الخطأ والنسيان‏)‏ الحديث‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولو رمى بسهم واحد صيودا، أو أرسل كلبه على صيود فأخذها أو أحدها، أو أرسله إلى صيد فأخذ غيره حل ما دام في جهة إرساله‏)‏ لأن المقصود به حصول الصيد والذبح يقع بالإرسال وهو فعل واحد فيكتفي فيه بتسمية واحدة، بخلاف من ذبح الشاتين بتسمية واحدة، لأن الثانية مذبوحة بفعل آخر فلا بد من تسمية أخرى حتى لو أضجع إحداهما فوق الأخرى وذبحهما مرة واحدة أجزأه تسمية واحدة، ولأن الأخذ مضاف إلى الإرسال وفي تعيين المشار إليه نوع حرج فلا يعتبر تعيينه، ولو أرسل الفهد فكمن حتى استمكن من الصيد فوثب عليه فقتله حل لأن ذلك من عادته ليتمكن من أخذ الصيد، وكذا الكلب إذا تعوّد هذه العادة بمنزلة الفهد، ولو عدل عن الصيد يمنة أو يسرة وتشاغل في غير طلب الصيد وفتر عن سننه ثم أتبع صيدا فأخذه لم يؤكل لأنه غير مرسل، والإرسال شرط بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مكلبين‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 4‏]‏ أي مسلطين، فإن زجره صاحبه فانزجر حل، لأن الزجر كإرسال مستأنف، ولو انفلت فصاح به وسمى، فإن انزجر بصياحه حل وإلا فلا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولو أرسله ولم يسم ثم زجره وسمى، أو أرسله مسلم فزجره مجوسي أو بالعكس، فالمعتبر حالة الإرسال‏)‏ وكذا لو أرسله مسلم فزجره مرتد أو محرم فانزجر، وكذا لو ترك التسمية عامدا ثم زجره مسلم وسمى لم يحل، لأن الحكم مضاف إلى الإرسال الأول وبه تسلط وتكلّب وما بعده تقوية للإرسال وتحريض للكلب فيعتبر حالة الإرسال، فإذا صدر صحيحا لا ينقلب فاسدا، وإذا صدر فاسدا لا ينقلب صحيحا بالزجر، ولو أرسل كلبه المعلم فرد عليه الصيد كلب غير معلم وغير مرسل فأخذه الأول لم يؤكل، ولو رده عليه آدمي أو دابة أو طير أو مجوسي حل، لأن أخذ الكلب ذبح حكما ولا يصلح أحد هؤلاء مشاركا إياه في الذبح، والكلب الجاهل يصلح مشاركا لأنه جارح بنفسه فاجتمع المبيح والمحرم فيحرم كما لو مد القوس مسلم ومجوسي فأصابا صيدا فإنه يحرم ولو لم يرده عليه ولكنه شد عليه واتبع أثر المرسل حتى قتله الأول أكل، لأن الثاني محرض لا مشارك‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏فإن أكل منه الكلب لم يؤكل‏)‏ لأنه غير معلم لما بينا، ولقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏فإن أكل منه فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه‏)‏ ‏(‏ولو شرب دمه أكل‏)‏ لأن ذلك غاية التعليم ‏(‏ولو أخذ منه قطعة فرماها ثم أخذ الصيد وقتله ثم أكل ما ألقاه أكل‏)‏ لأنه لم يبق صيدا، حتى لو أكل من نفس الصيد في هذه الحالة لا يضره فهذا أولى‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏فإن أكل منه البازي يؤكل‏)‏ وقد مر‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن أدركه حيا لا يحل إلا بالتذكية، وكذلك في الرمي‏)‏ لأنه قدر على الذكاة الاختيارية فلا تجزئ الاضطرارية لاندفاع الضرورة وهذا إذا قدر على ذبحه، فإن أدركه حيا ولم يتمكن من ذبحه إما لفقد آلة أو لضيق الوقت وفيه من الحياة فوق حياة المذبوح لم يؤكل‏.‏ وعن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه يؤكل إذا لم يقدر على الذكاة حقيقة فصار كالمتيمم إذا وجد الماء ولم يقدر على استعماله؛ وجه الظاهر أنه لما قدر عليه وبه حياة لم يبق له حل فلا يحل إلا بالذكاة الاختيارية وهذا إذا كان بحال يتوهم حياته؛ أما إذا بقي فيه من الحياة مثل المذبوح أو بقر بطنه وأخرج ما فيها ثم أخذه وبه حياة فإنه يحل لأنه ميت حكما، ولهذا لو وقع في هذه الحالة في الماء لا يحرم كما إذا وقع وهو ميت‏.‏ وعن أبي حنيفة أنه لا يؤكل أيضا لأنه أخذه حيا فلا يحل إلا بالذكاة الاختيارية، فلو أنه ذكّاه حل بالإجماع‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏إلا ما ذكيتم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 3‏]‏ من غير فصل، وعلى هذا المتردية والنطيحة والموقوذة والذي بقر الذئب بطنها وفيها حياة خفيفة أو ظاهرة وهو المختار لما تلونا‏.‏ وعن محمد إذا كان بحال يعيش فوق ما يعيش المذبوح حل وإلا فلا، إذ لا اعتبار بهذه الحياة‏.‏ وعن أبي يوسف إذا كان بحل لا يعيش مثله لا يحل، لأن موته لا يحصل بالذبح‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن شارك كلبه كلب لم يذكر عليه اسم الله، أو كلب مجوسي، أو غير معلم لم يؤكل‏)‏ لقوله عليه الصلاة والسلام لعدي بن حاتم‏:‏ ‏(‏وإن شارك كلبك كلب آخر فلا تأكل، فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على كلب غيرك‏)‏ ولأنه اجتمع المحرم والمبيح فيغلب المحرم المبيح احتياطا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولو سمع حسا فظنه آدميا فرماه، أو أرسل عليه كلبه فإذا هو صيد أكل‏)‏ لأنه لا اعتبار بظنه مع كونه صيدا حقيقة، وكذلك لو ظنه حس صيد فتبين كذلك حل، لأنه صيد وقد قصده فيحل‏.‏ وعن أبي يوسف أنه استثنى الخنزير لشدة حرمته، حتى لا تثبت إباحة شيء منه، وغيره من السباع تثبت الإباحة في جلده؛ ولو تبين أنه حس آدمي أو حيوان أهلي مما يأوي البيوت لم يؤكل المصاب لأنه ليس بصيد‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإذا وقع الصيد في الماء، أو على سطح أو جبل أو سنان رمح، ثم تردى إلى الأرض لم يؤكل‏)‏ لأنه متردية، قال عليه الصلاة والسلام لعدي‏:‏ ‏(‏وإن وقعت رميتك في الماء فلا تأكل، فإنك لا تدري الماء قتله أم سهمك‏)‏ ‏؟‏ فقد اجتمع دليلا الحل والحرمة؛ وكذلك لو وقع على شجرة أو قصبة أو حرف آجرة لاحتمال موته بهذه الأشياء ‏(‏ولو وقع ابتداء على الأرض أكل‏)‏ لأنه لا يمكن الاحتراز عنه، فلو اعتبرناه محرما انسد باب الصيد، فما لا يمكن الاحتراز عنه كالعدم‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وفي طير الماء إن أصاب الماء الجرح لم يؤكل، وإلا أكل‏)‏ لإمكان الاحتراز عن الأول دون الثاني‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولا يؤكل ما قتلته البندقة والحجر والعصا والمعراض بعرضه‏)‏ لأن ذلك كله في معنى الموقوذة ‏(‏فإن خزق المعراض الجلد بحده أكل‏)‏ قال عليه الصلاة والسلام فيه‏:‏ ‏(‏ما أصاب بحده فكل، وما أصاب بعرضه فلا تأكل‏)‏ وإن جرحته الحجر إن كان ثقيلا لم يؤكل لاحتمال أنه قتله بثقله، وإن كان خفيفا وبه حد لا يحل لأنه قتلته بحدها؛ ولو رماه بها فأبان رأسه أو قطع العروق لا يؤكل، لأن العروق قد تنقطع بالثقل فوقع الشك، ولعله مات قبل قطع العروق، ولو كان للعصا حد فجرحت يؤكل لأنها بمنزلة المحدد‏.‏ فالحاصل أن الموت إن كان بجرح بيقين حل، وإن كان بالثقل لا يحل، وكذا إن وقع الشك احتياطا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن رماه بسيف أو سكين فأبان عضوا منه أكل الصيد‏)‏ لوجود الجرح في الصيد وهو ذكاته ‏(‏ولا يؤكل العضو‏)‏ قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏ما أبين من الحي فهو ميت‏)‏‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن قطعه نصفين أكل‏)‏ لأن المبان منه ليس بحي، إذ لا يتوهم بقاء حياته‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن قطعه أثلاثا أكل الكل إن كان الأقل من جهة الرأس‏)‏ لما تقدم بخلاف ما إذا كان الأقل مما يلي العجز، لأنه يتوهم حياته فلا يؤكل؛ وإن رماه بسيف أو بسكين فإن جرحه بالحد حل، وإن أصابه بقفا السكين أو بمقبض السيف لا يحل لأنه وقذ لا جرح؛ ولو رماه فجرحه وأدماه حل، وإن لم يدمه لا يحل لأن الإدماء شرط‏.‏ قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏ما أنهر الدم وأفرى الأوداج فكل‏)‏ شرط الإنهار، وقيل يحل لأن الدم قد ينجس لغلظه وضيق المنفذ، وعلى هذا إذا علقت الشاة بالعنّاب فذبحت ولم يسل منها الدم‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ إن كانت الجراحة كبيرة حل بدون الإدماء، وإن كانت صغيرة لا بد من الإدماء‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ومن رمى صيدا فأثخنه ثم رماه آخر فقتله لم يؤكل‏)‏ لأن بالإثخان صارت ذكاته اختيارية فصار بالجرح الثاني ميتة، وهذا إذا كان بحال ينجو من الرمية الأولى ليكون موته مضافا إلى الثانية، وإن كان بحال لا يسلم من الأولى بأن قطع رأسه أو بقر بطنه ونحوه يحل لأن وجود الثانية كعدمها‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ويضمن الثاني للأول قيمته غير نقصان جراحته‏)‏ لأنه أتلف عليه صيدا مملوكا له، لأنه ملكه حيث أثخنه فخرج عن حيز الامتناع فلا يطيق براحا وهو معيب بالجراحة، والقيمة تجب عند الإتلاف‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن لم يثخنه الأول أكل‏)‏ لأنه صيد على حاله ‏(‏وهو للثاني‏)‏ لأنه هو الذي أخذه، قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏الصيد لمن أخذه‏)‏‏.‏

كتاب الذبائح

وهو جمع ذبيحة، والذبيحة‏:‏ المذبوحة، وكذلك الذبح، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وفديناه بذبح عظيم‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 107‏]‏ والذبح مصدر ذبح يذبح، وهو الذكاة أيضا، قال تعالى‏:‏‏)‏ إلا ما ذكيتم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 3‏]‏ أي ذبحتم ‏(‏والذكاة‏)‏ نوعان ‏(‏اختيارية، وهي الذبح في الحلق واللبة‏)‏ قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏الذكاة ما بين اللبة واللحيين‏)‏ أي موضع الذكاة، وهي قطع عروق معلومة على ما يأتيك إن شاء الله تعالى‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏واضطرارية‏:‏ وهي الجرح في أي موضع اتفق‏)‏ وهي مشروعة حالة العجز عن الاختيارية، وذلك مثل الصيد والبعير الناد، فلو رماه فقتله حل أكله لأن الجرح في غير المذبح أقيم مقام الذبح عند تعذر الذبح للحاجة، والبقر والبعير لو ندا في الصحراء أو المصر بمنزلة الصيد، وكذلك الشاة في الصحراء، ولو ندت في المصر لا تحل بالعقر لأنه يمكن أخذها، أما البقر والبعير فربما عضه البعير ونطحه البقر فتحقق العجز فيها؛ والمتردي في بئر لا يقدر على ذكاته في العروق كالصيد إذ لا يتوهم موته بالماء‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وشرطهما التسمية، وكون الذابح مسلما أو كتابيا‏)‏ أما التسمية فلقوله تعالى‏:‏‏)‏ فاذكروا اسم الله عليها صوافّ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 36‏]‏ والمراد حالة النحر بدليل قوله‏:‏ ‏{‏فإذا وجبت جنوبها‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 36‏]‏ أي سقطت بعد النحر، وما مر من حديث عدي في الصيد وقوله فيه‏:‏ ‏(‏فإنما سميت على كلبك‏)‏ فلو تركها عامدا لا تحل، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 121‏]‏ ولم ينقل في ذلك خلاف عن الصدر الأول، وإنما اختلفوا في متروك التسمية ناسيا، فالقول بإباحة متروك التسمية عامدا مخالف للإجماع، ولهذا قال أصحابنا‏:‏ إذا قضى القاضي بجواز بيعه لا ينفذ لأنه قول مخالف للكتاب والإجماع، والكتابي فيه كالمسلم، ولأن ما ذكرنا من النصوص منها أمر بالتسمية، ومنها جعلها شرطا لحل الأكل، وذلك يدل على حرمة المتروك عامدا؛ وأما كون الذابح مسلما لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلا ما ذكيتم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 3‏]‏ خطاب للمسلمين؛ وأما الذمي فلقوله تعالى في طعام الذين أوتوا الكتاب‏:‏ ‏{‏حل لكم وطعامكم حل لهم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 5‏]‏‏.‏ وقال عليه الصلاة والسلام في المجوس‏:‏ ‏(‏سنة بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم‏)‏ فدل على حل ذبائح أهل الكتاب، فإن سمى النصراني المسيح وسمعه المسلم لا يأكل منه، ولو قال بسم الله وهو يعني المسيح يأكل منه بناء على الظاهر، ويشترط أن يكون يعقل التسمية ويضبطها ويقدر على الذبح، فتحل ذبيحة المرأة المسلمة والكتابية والصبي إذا قدر على الذبح، والمرتد لا ملة له فلا تجوز ذبيحته، ويجوز صيد المجوسي والمرتد السمك والجراد لأنه لا ذكاة له فحله غير منوط بالتسمية‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏فإن ترك التسمية ناسيا حل‏)‏ لأن في تحريمه حرجا عظيما، لأن الإنسان قلما يخلو عن النسيان فكان في اعتباره حرج‏.‏ وسئل عليه الصلاة والسلام عمن نسي التسمية على الذبيحة، فقال‏:‏ ‏(‏اسم الله على لسان كل مسلم‏)‏ ولأن الناسي غير مخاطب بما نسيه بالحديث فلم يترك فرضا عليه عند الذبح بخلاف العامد‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن أضجع شاة وسمى فذبح غيرها بتلك التسمية لم تؤكل، وإن ذبح بشفرة أخرى أكل‏)‏ ولو أخذ سهما وسمى ثم وضعه فأخذه غيره ولم يسم لا يحل، ولو سمى على سهم فأصاب صيدا آخر حل؛ والفرق أن التسمية في الذبح مشروطة على الذبيحة، قال تعالى‏:‏ ‏{‏فاذكروا اسم الله عليها صواف‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 36‏]‏ فإذا تبدلت الذبيحة ارتفع حكم التسمية عليها؛ وفي الرمي والإرسال التسمية مشروطة على الآلة، قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏إذا رميت سهمك وذكرت اسم الله عليه فكل‏)‏ وقال‏:‏ ‏(‏فإنما سميت على كلبك‏)‏ فما لم تتبدل الآلة فالتسمية باقية، وإذا تبدلت ارتفع حكمها فاحتاج إلى تسمية أخرى‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ويكره أن يذكر مع اسم الله تعالى اسم غيره، وأن يقول‏:‏ اللهم تقبل من فلان‏)‏ لأن الشرط هو الذكر الخالص، لقول ابن مسعود‏:‏ جردوا التسمية، فإن ذكر اسم غير الله تعالى مع اسم الله تعالى؛ فإما إن ذكره موصولا به أو مفصولا، فإن فصل فلا بأس بأن ذكره قبل التسمية أو قبل الإضجاع أو بعد الذبيحة لأنه لا مدخل له في الذبيحة‏.‏ وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال بعد الذبح‏:‏ ‏(‏اللهم تقبل هذه من أمة محمد ممن شهد لك بالوحدانية ولي بالبلاغ‏)‏ وإن ذكره موصولا، فأما إن كان معطوفا أو لم يكن، فإن كان معطوفا حرمت، لأنه أهلّ به لغير الله بأن يقول‏:‏ باسم الله واسم فلان، أو باسم الله وفلان، أو باسم الله ومحمد رسول الله بكسر الدال، ولو رفعها لا يحرم لأنه كلام مستأنف غير متعلق بالذبيحة، وإن كان موصولا غير معطوف بأن قال‏:‏ باسم الله محمد رسول الله لا يحرم لأنه لما لم يعطف لم توجد الشركة فيقع الذبح خالصا لله تعالى إلا أنه يكره لأنه لصورة المحرم من حيث القران في الذكر؛ ولو قال عند الذبح‏:‏ اللهم اغفر لي لا يحل لأنه دعاء، ولو قال‏:‏ الحمد لله أو سبحان الله ينوي التسمية حل، والمنقول المتوارث من الذكر عند الذبح‏:‏ بسم الله الله أكبر، وكذا فسر ابن عباس رضي الله عنهما قوله‏:‏ ‏{‏فاذكروا اسم الله عليها صواف‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 36‏]‏‏.‏ قال‏:‏ والسنة نحر الإبل وذبح البقر والغنم، فإن عكس فذبح الإبل ونحر البقر والغنم كره ويؤكل‏)‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏فصل لربك وانحر‏}‏ ‏[‏الكوثر‏:‏ 2‏]‏ قالوا‏:‏ المراد نحر الجزور‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 67‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏وفديناه بذبح عظيم ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 107‏]‏ والذبح‏:‏ ما يذبح وكان كبشا، وهو المتوارث من فعل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة إلى يومنا هذا؛ وإنما كره إذا عكس لمخالفته السنة، ويؤكل لوجود شرط الحل وهو قطع العروق وإنهار الدم‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏والعروق التي تقطع في الذكاة‏:‏ الحلقوم والمريء والودجان‏)‏ وقال الكرخي‏:‏ الذكاة في الأوداج، والأوداج أربعة‏:‏ الحلقوم، والمريء، والعرقان اللذان بينهما، وأصله قوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏أفر الأوداج بما شئت‏)‏ وهو اسم جمع فيتناول ثلاثة، وهو المريء والودجان، ولا يمكن قطع هذه الثلاثة إلا بقطع الحلقوم فثبت قطع الحلقوم اقتضاء ‏(‏فإن قطعها حل الأكل‏)‏ لوجود الذكاة ‏(‏وكذلك إذا قطع ثلاثة منها‏)‏ أي ثلاثة كانت‏.‏ وقال أبو يوسف‏:‏ لا بد من قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين‏.‏ وعن محمد أنه يعتبر الأكثر من كل عرق‏.‏ وذكر القدوري قول محمد مع أبي يوسف، وحمل الكرخي قول أبي حنيفة، وإن قطع أكثرها حل على ما قاله محمد والصحيح ما ذكرنا‏.‏ لمحمد أن الأمر ورد بفري العروق، وكل واحد منفصل عن الباقين أصل بنفسه فلا يقوم غيره مقامه، إلا أنه إذا قطع أكثره فكأنه قطعة إقامة للأكثر مقام الكل، ولأن المقصود يحصل بقطع الأكثر؛ ألا يرى أنه يخرج به ما يخرج بقطع جميعه، ولأن الذبح قد يبقى اليسير من العروق فلا اعتبار به‏.‏ ولأبي يوسف رحمه الله أن كل واحد منهما يقصد بقطعة غير ما يقصد بقطع الآخر، فإن الحلقوم مجرى النفس، والمريء مجرى الطعام، والودجين مجرى الدم، فإذا قطع أحد الودجين حصل المقصود بقطعهما، وإذا ترك الحلقوم أو المريء لا يحصل المقصود من قطعه بقطع ما سواه‏.‏ ولأبي حنيفة أن الأكثر يقوم مقام الكل في الأصول، فبقطع أي حادث كان حصل قطع الأكثر، ولأن المقصود يحصل بذلك، وهو إنهار الدم والتسبيب إلى إزهاق الروح، لأنه لا يحيا بعد قطع مجرى النفس والطعام، والدم يجري بقطع أحد الودجين فيكتفي به تحرزا عن زيادة التعذيب‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ويجوز الذبح بكل ما أفرى الأوداج وأنهر الدم، إلا السن القائمة والظفر القائم‏)‏ لقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏أفر الأوداج بما شئت وكل‏)‏ وقوله‏:‏ ‏(‏أنهر الدم بما شئت‏)‏ وقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏كل ما أنهر الدم وأفرى الأوداج، ما خلا السن والظفر فإنهما مدى الحبشة‏)‏ والحبشة كانوا يذبحون بهما قائمين، ولأن القتل بهما قائمين يحصل بقوة الآدمي وثقله فأشبه المنخنقة، ولو ذبح بهما منزوعين لا بأس بأكله ويكره‏.‏ أما الكراهة فلظاهر الحديث وأنه استعمال لجزء الآدمي وأنه حرام، ولا بأس به لما ذكرنا من المعنى ولحصول المقصود، وهو إنهار الدم وقطع الأوداج‏.‏ ونص محمد على أن المذبوح بهما قائمين ميتة لأنه وجد فيه نصا، وما لا يجد فيه نصا يتحرى فيقول في الحل لا بأس به، وفي الحرمة لا يؤكل أو يكره‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ويستحب أن يحد شفرته‏)‏ لقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته‏)‏ ‏(‏ورأى عليه الصلاة والسلام رجلا أضجع شاة وهو يحد شفرته، فقال‏:‏ هلا حددتها قبل أن تضجعها ‏؟‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ويكره أن يبلغ بالسكين النخاع أو يقطع الرأس وتؤكل‏)‏ والنخاع عرق أبيض في عظم الرقبة، لأنه عليه الصلاة والسلام ‏(‏نهى أن تنخع الشاة إذا ذبحت‏)‏ وفسروه بما ذكرنا‏.‏ وفي قطع الرأس زيادة تعذيب الحيوان بلا فائدة ويؤكل لوجود المقصود، لأن هذه الكراهة لمعنى زائد وهو زيادة الألم فلا يوجب التحريم‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ويكره سلخها قبل أن تبرد‏)‏ أي يسكن اضطرابها، وكذا يكره كسر عنقها قبل أن تبرد لما فيه من تألم الحيوان وبعد ذلك لا ألم فلا يكره‏.‏ وفي الحديث ‏(‏ألا لا تنخعوا الذبيحة حتى تجب‏)‏ أي لا تقطعوا رقبتها وتفصلوها حتى تسكن حركتها، وإن ذبح الشاة من قفاها إن ماتت قبل قطع العرق فهي ميتة لوجود الموت بدون الذكاة، وإن قطعت وهي حية حلت لأنها ماتت بالذكاة، كما إذا جرحها ثم ذبحها، إلا أنه يكره فعله لما فيه من زيادة الألم من غير فائدة‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وما استأنس من الصيد فذكاته اختيارية‏)‏ للقدرة عليها ‏(‏وما توحش من النعم فاضطرارية‏)‏ للعجز عن الاختيارية‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإذا كان في بطن المذبوح جنين ميت لم يؤكل‏)‏ وقالا‏:‏ إذا تم خلقه أكل وإلا فلا، لقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏ذكاة الجنين ذكاة أمه‏)‏ ولأنه جزء الأم متصل بها يتغذى بغذائها ويتنفس بتنفسها ويدخل في بيعها ويعتق بإعتاقها، فيتذكى بذكاتها كسائر أجزائها‏.‏ ولأبي حنيفة أنه حيوان بانفراده حتى يتصور حياته بعد موتها فيفرد بالذكاة، ولهذا يعتق بإعتاق مفرد، وتجب فيه الغرة وتصح الوصية به وله دونها، ولأنه حيوان دموي لم يخرج دمه فصار كالمنخنقة، لأن بذكاة الأم لا يخرج دمه بخلاف الصيد، لأن الجرح موجب لخروج الدم، ولأنه احتمل موته بذبح الأم واحتمل قبله فلا يحل بالشك، والحديث روي بالنصب بنزع الخافض فدل على تساويهما في الذكاة لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 20‏]‏ وعلى رواية الرفع احتمل التشبيه أيضا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجنة عرضها السموات والأرض‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 133‏]‏ فيحمل عليه توفيقا، ولهذا كره أبو حنيفة ذبح الشاة الحامل التي قربت ولادتها لما فيه من إضاعة الولد، وعندهما لا يكره لأنه يؤكل عندهما‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن ذبح ما لا يؤكل لحمه طهر جلده ولحمه إلا الخنزير والآدمي‏)‏ فإن الذكاة لا تعمل فيهما، لأن الذكاة تزيل الرطوبات وتخرج الدماء السائلة، وهي المنجسة لا ذات اللحم

والجلد فيطهر كما في الدباغ‏.‏ أما الآدمي فلكرامته وحرمته، والخنزير لنجاسته وإهانته فلا تعمل الذكاة فيهما كما لا يعمل الدباغ في جلدهما وقد مر في الطهارة؛ ولو ذبح شاة مريضة فلم يتحرك منها شيء إلا فمها‏.‏

قال محمد بن سلمة‏:‏ إن فتحت فمها وعينها ومدت رجلها ونام شعرها لم تؤكل، وإن كان على العكس أكلت‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏في أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير‏]‏

‏(‏ولا يحل أكل كل ذي ناب من السباع ولا ذي مخلب من الطير‏)‏ لأنه عليه الصلاة والسلام ‏(‏نهى عن أكل كل ذي ناب من السبع‏)‏ وقوله عقيب النوعين من السباع ينصرف إليهما فيثبت الحكم فيما له مخلب وناب من سباع الطير والبهائم دون غيرهما، والسبع كل جارح قتال منتهب متعد عادة كالأسد والنمر والفهد والذئب والثعلب والدب والفيل والقرد واليربوع وابن عرس والسنور البري والأهلي؛ وذو المخلب من الطير‏:‏ الصقر والبازي والنسر والعقاب والشاهين والحدأة‏.‏ قال أبو حنيفة‏:‏ الدلق والسنجاب والفنك والسمور وما شابهه سبع؛ ولا يؤكل ابن عرس لأنها ذات أنياب فدخلت تحت النص، وفي الحديث نهي عن أكل الخطفة والنهبة والمجثمة، فالخطفة‏:‏ التي تختطف في الهواء كالبازي ونحوه، والنهبة‏:‏ الذي ينتهب على الأرض كالذئب والكلب ونحوه، والمجثمة‏:‏ فقد روي بالفتح والكسر فبالفتح كل صيد جثم عليه الكلب حتى مات غما، وبالكسر كل حيوان من عادته أن يجثم على الصيد كالذئب والكلب؛ ومعنى تحريم هذه الأشياء كرامة لبني آدم لئلا يتعدى إليهم شيء من هذه الخصال الذميمة بالأكل؛ وكل ما ليس له دم سائل حرام إلا الجراد، مثل الذباب والزنابير والعقارب، وكذا سائر هوام الأرض وما يدب عليها وما يسكن تحتها، وهي الحشرات كالفأرة والوزغة واليربوع والقنفذ والحية ونحوها، لأن جميع ذلك من الخبائث فيحرم لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويحرم عليهم الخبائث‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 157‏]‏‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولا تحل الحمر الأهلية ولا البغال ولا الخيل‏)‏ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة‏)‏ ^ ‏[‏النحل‏:‏ 8‏]‏ خرجت في معرض الامتنان، فلو جاز أكلها لذكره، لأن نعمة الأكل أعظم من نعمة الركوب‏.‏ وعن علي وابن عمر رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وعن متعة النساء‏)‏‏.‏ وقال أبو يوسف ومحمد‏:‏ لحم الخيل حلال لما روي عن أنس قال‏:‏ أكلنا لحم فرس على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام‏.‏ وروي ‏(‏أنه عليه الصلاة والسلام نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في الخيل‏)‏‏.‏ ولأبي حنيفة ما تلونا من الآية‏.‏ وما روى خالد بن الوليد ‏(‏أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمر الأهلية‏)‏ وروى المقدام بن عدي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال‏:‏ ‏(‏حرام عليكم الحمر الأهلية وخيلها وبغالها وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير‏)‏ ولأن البغل وهو نتاجه لا يؤكل فلا يؤكل الفرس، لأن أكل النتاج معتبر بأمه؛ ألا ترى أن الحمار الوحشي لو نزا على الأتان الأهلية لا يؤكل ‏؟‏ فكذا هذا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ويكره الرخم والبغاث والغراب‏)‏ لأنها تأكل الجيف فكانت من الخبائث، إذ المراد الغراب الأسود وكذلك الغداف‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏والضب‏)‏ لما روت عائشة رضي الله عنها أنه أهدي إلى النبي عليه الصلاة والسلام ضب فامتنع من أكله، فجاءت سائلة فأرادت عائشة أن تطعمها، فقال لها‏:‏ ‏(‏أتطعمين ما لا تأكلين ‏؟‏‏)‏ ولولا حرمته لما منعها عن التصدق كما في شاة الأنصار‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏والسلحفاة‏)‏ لأنها من الفواسق ‏(‏والحشرات‏)‏ بدليل جواز قتلها للمحرم‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ويجوز غراب الزرع والعقعق والأرنب والجراد‏)‏ قال أبو يوسف غراب الزرع له هيئة مخالفة للغراب في صغر جثته، وأنه يدخر في المنازل ويؤلف كالحمام ويطير ويرجع، والعقعق يخلط في أكله فأشبه الدجاج والأرنب، لما روى عمار بن ياسر قال‏:‏ أهدي لرسول الله عليه الصلاة والسلام أرنبة مشوية فقال لأصحابه‏:‏ ‏(‏كلوا‏)‏‏.‏ قال أبو يوسف‏:‏ أما الوبر فلا أحفظ فيه شيئا عن أبي حنيفة وهو عندي كالأرنب وهو يعتلف البقول والنبت، وهذا لأن الأشياء على الإباحة إلا ما قام عليه دليل الحظر، وأما الجراد فلقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏أحلت لنا مييتان ودمان؛ أما الميتتان‏:‏ فالسمك والجراد؛ وأما الدمان‏:‏ فالكبد والطحال‏)‏ وسواء مات حتف أنفه أو أصابته آفة كالمطر ونحوه لإطلاق النص‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولا يؤكل من حيوان الماء إلا السمك‏)‏ لأنه ميتة فيحرم بالنص، وإنما حل السمك بما روينا من الحديث وأنه يشمل جميع أنواعه الجريث والمارماهي وغيرهما‏.‏ وعن النبي عليه الصلاة والسلام أنه سئل عن الضفدع يجعل شحمه في الدواء فنهى عن قتل الضفدع وقال‏:‏ ‏(‏خبيثة من الخبائث‏)‏‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولا يؤكل الطافي من السمك‏)‏ وهو ما مات حتف أنفه، لما روى جابر رضي الله عنه ‏(‏أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن أكل الطافي‏)‏‏.‏ وعن علي رضي الله عنه‏:‏ لا تبيعوا في أسواقنا الطافي‏.‏ وعن ابن عباس أنه قال‏:‏ ما دسره البحر فكله، وما وجدته مطفوّا على الماء فلا تأكله‏.‏ وما مات من الحر أو البرد أو كدر الماء روي أنه يؤكل لأنه مات بسبب حادث كما لو ألقاه الماء على اليبس‏.‏ وروي أنه لا يؤكل، لأن الحر والبرد من صفات الزمن وليسا من حوادث الموت عادة؛ ولو ابتلعت سمكة سمكة تؤكل لأنه سبب حادث للموت‏.‏ قال أبو يوسف عن أبي حنيفة‏:‏ تحبس الجلالة ثلاثة أيام‏.‏ وعن محمد لم يوقّت أبو حنيفة فيه وقتا وقال‏:‏ تحبس حتى تطيب والجلالة‏:‏ التي تأكل العذرة، فإن خلطت فليست بجلالة، ولذلك قالوا‏:‏ الدجاجة لا تكون جلالة لأنها تخلط‏.‏ وقال محمد‏:‏ إذا أنتن وتغيّر ووجد منه رائحة منتنة فهي جلالة لا يشرب لبنها ولا يؤكل لحمها ويجوز بيعها وهبتها، وإذا حبست زالت الكراهة لأن ما في جوفها يزول وهو الموجب للتغير والنتن، ولم يوقّت أبو حنيفة لأنه إذا توقف على زوال النتن وجب اعتبار هذا المعنى، وفي رواية أبي يوسف قدره بثلاثة أيام اعتبارا للغالب من حالها‏.‏ وقد روي ‏(‏أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يحبس الدجاج ثلاثة أيام ثم يأكله‏)‏ وهذا على طريق التنزه فيجوز أن يكون رواية التقدير بالثلاثة بناء على هذا الحديث‏.‏

كتاب الأضحية

وهو بضم الهمزة وكسرها‏:‏ اسم لما يذبح أيام النحر بنية القربة لله تعالى، وكذلك الضحية بفتح الضاد وكسرها، ويقال أيضا أضحاة‏.‏ قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏على أهل كل بيت في كل عام أضحاة وعتيرة‏)‏ فالأضحاة ما يذبح أيام النحر، والعتيرة شاة كانت تذبح للصنم في رجب نسخت وبقيت الأضحية، وهي من أضحى يضحي إذا دخل في الضحى لأنها تذبح وقت الضحى فسمي الواجب باسم وقته كصدقة الفطر والصلوات الخمس‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وهي واجبة على كل مسلم حر مقيم موسر‏)‏ أما الوجوب فمذهب أصحابنا‏.‏ وروي عن أبي يوسف أنها سنة، وذكر الطحاوي أنها واجبة عند أبي حنيفة سنة عندهما واختاره رضيّ الدين النيسابوري، والدليل على كونها سنة قوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏ثلاث كتبت عليّ ولم تكتب عليكم‏:‏ الوتر والضحى والأضحى‏)‏ وفي رواية ‏(‏وهي لكم سنة‏)‏ وعن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنهما كانا لا يضحيان مخافة أن يراها الناس واجبة، ولأنها لو وجبت لوجبت على المسافر كصدقة الفطر والزكاة، إذ الواجبات المالية لا تأثير للسفر فيها؛ ودليل الوجوب قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فصل لربك وانحر‏}‏ ‏[‏الكوثر‏:‏ 2‏]‏ أمر بنحر مقرون بالصلاة ولا ذلك إلا الأضحية، فلئن قال‏:‏ المراد أخذ اليد باليد على النحر في الصلاة‏.‏ قلنا هذا أمر وأنه يقتضي الوجوب، ولا وجوب فيما ذكرتم بالإجماع فتعين ما ذكرنا، وقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏ضحوا فإنها سنة أبيكم إبراهيم‏)‏ أمر وأنه للوجوب‏.‏ وقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏من وجد سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا‏)‏ علق الوعيد بترك الأضحية وأنه يدل على الوجوب، ولأن إضافة اليوم إليه تدل على الوجوب لأنه لا تصح الإضافة إليه إلا إذا وجدت فيه لا محالة، ولا وجود إلا بالوجوب فيجب تصحيحا للإضافة وكما في يوم الفطر وصدقته‏.‏ وأما قوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏ولم تكتب عليكم‏)‏ قلنا نفي الكتابة نفي الفريضة، لأن المراد من الكتابة الفرض، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 103‏]‏ أي فرضا موقتا، ولذلك تسمى الصلوات المفروضات مكتوبة، فكأن النص ينفي الفرضية ونحن نقول به إنما الكلام في نفي الوجوب، وقوله‏:‏ ‏(‏وهي لكم سنة‏)‏ أي ثبت وجوبها بالسنة لما ذكرنا من التعارض في تأويل الآية، وما وجب بالسنة يطلق عليه اسم السنن وهو كثير النظير، وأبو بكر وعمر كانا فقيرين فخافا أن يظنها الناس واجبة على الفقراء على أنها مسألة مختلفة بين الصحابة، ولا احتجاج بقول البعض على البعض والترجيح لنا، لأن ما ذكرناه موجب وما ذكروه ناف والموجب راجح وتمامه عرف في الأصول، وإنما لم تجب على المسافر لأنها اختصت بأسباب شق على المسافر تحصيلها وتفوت بمضي الوقت فلم تجب كالجمعة، بخلاف الفطر والزكاة حيث لا تفوت بالوقت، ويجوز فيهما التأخير ودفع القيم وغير ذلك‏.‏ وعن علي رضي الله عنه‏:‏ ليس على المسافر جمعة ولا أضحية، واختصاصها بالمسلم لأنها عبادة وقربة، وبالحر لأن العبد لا يملك شيئا وبالمقيم لما مر، ويستوي فيه المقيم بالأمصار والقرى والبوادي لأنه مقيم، وبالغني لقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏لا صدقة إلا عن ظهر غنى‏)‏‏.‏ والمراد الغنى المشروط لوجوب صدقة الفطر‏.‏ وأما أولاده الصغار فروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يجب عليه أن يضحي عن أولاده الصغار كصدقة الفطر، وعنه لا تجب لأنها قربة محضة، والقربة لا تتحمل بسبب الغير، بخلاف صدقة الفطر فإنها مؤونة وسببها رأس يمونه ويلي عليه، وصاروا كالعبيد يؤدى عنهم صدقة الفطر ولا يضحى عنهم، ولو كان للصبي مال ضحى عنه أبواه أو وصيّه خلافا لمحمد وزفر، وهو نظير الاختلاف في صدقة الفطر‏.‏ وقيل الأصح أنها لا تجب في مال الصبي بالإجماع لأنها قربة فلا يخاطب بها، بخلاف صدقة الفطر على ما بينا، ولأن الواجب الإراقة والتصدق بها ليس بواجب، ولا يجوز ذلك في مال الصبي لأنه لا يقدر على أكل جميعها عادة ولا يجوز بيعها فلا تجب‏.‏ وذكر القدوري في شرحه الصحيح أنها تجب ولا يتصدق بها لأنه تطوع، ولكن يأكل منها الصغير وعياله ويدخر له ما يمكنه ويبتاع له بالباقي، وما ينتفع بعينه كما يجوز للبالغ ذلك في الجلد، والجد مع الحفدة كالأب عند عدمه‏.‏ ‏(‏ويجب على كل واحد شاة‏)‏ لأنه أدنى الدم كما قلنا في الهدايا‏:‏ قال‏:‏ ‏(‏وإن اشترك سبعة في بقرة أو بدنة جاز إن كانوا من أهل القرية‏)‏ يعني مسلمين ‏(‏ويريدونها‏)‏ يعني يريدون القربة، حتى لو كان أحدهم كافرا أو أراد اللحم لا القربة لا يجزي واحدا منهم لأن الدم لا يتجزى ليكون بعضه قربة وبعضه لا، فإذا خرج البعض عن أن يكون قربة خرج الباقي، والأصل في جواز الشركة ما روى جابر قال‏:‏ ‏(‏نحرنا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة‏)‏ وتجزئ عن أقل من سبعة بطريق الأولى، ولا تجزئ عن أكثر، لأن القياس أن لا تجزئ إلا عن واحد لأنه إراقة واحدة، إلا أنا تركنا القياس بما روينا وأنه مقيد بالسبعة فلا يزاد عليه‏.‏ وتجوز البدنة بين اثنين نصفين، لأنه لما جاز ثلاثة أسباع فلأن يجوز ثلاثة ونصف أولى، ولو كان لأحدهم أقل من السبع لا يجزئه‏.‏ ‏(‏ولو اشترى بقرة للأضحية ثم أشرك فيها ستة أجزأه‏)‏ استحسانا، والقياس أن لا يجوز، لأنه أعدها للقربة فلا يجوز بيعها وفي الشركة بيعها‏.‏ وجه الاستحسان أن الحاجة ماسة إلى ذلك لأنه قد لا يجد إلا بقرة ولا يجد شركاء فيشتريها ثم يطلب الشركاء بعد ذلك فجوزناه للحاجة، والأحسن أن يطلب الشركاء قبل الشراء لئلا يكون راجعا عن القربة‏.‏ وعن أبي حنيفة أنه يكره ذلك بعد الشراء، وقيل لو أراد الاشتراك وقت الشراء لا يكره‏.‏ وقيل إن كان فقيرا لا يجوز لأنه أوجبها بالشراء، فإن أشرك جاز ويضمن حصة الشركاء، وقيل الغني إذا شارك يتصدق بالثمن، لأن ما زاد على السبع غير واجب عليه وبالشراء قد أوجبه على نفسه فيتصدق بثمنه‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ويقتسمون لحمها بالوزن‏)‏ لأنه موزون ولا يتقاسمونه جزافا إلا أن يكون معه الأكارع والجلد فيجوز كما قلنا في البيع ‏(‏وتختص بالإبل والبقر والغنم‏)‏ لما مر في الهدي، ولقول الصحابة‏:‏ الضحايا من الإبل والبقر والغنم وذلك اسم للكبار دون الصغار‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ويجزئ فيها ما يجزئ في الهدي‏)‏ وهو الثني من الكل، وهو من الغنم ما له سنة، ومن البقر سنتان، ومن الإبل خمس سنين؛ ولا يجوز الجذع من الإبل والبقر والمعز، لما روى أبو بردة قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله ضحيت قبل الصلاة وعندي عتود خير من شاتي لحم أفيجزئني أن أضحي به ‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏يجزئك ولا يجزئ أحدا بعدك‏)‏ والعتود من المعز كالجذع من الضأن، وهو الذي أتى عليه أكثر الحول وهو القياس في الضأن أيضا، إلا أنا تركناه بقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏نعم الأضحية الجذع من الضأن‏)‏ ثم الاسم يتناول السالم منها ولا يجوز المعيب وقد بيناه، والاختلاف فيه في باب الهدي بعون الله تعالى، إلا أن القليل من العيب عفو، لأنه قلما يسلم الحيوان منه فكان في اعتباره حرج فينتفي والشق في الأذن والوسم قليل لا اعتبار به، ويتصدق بجلالها وخطامها، ولا يعطي أجر الجزار منها وقد بيناه في الهدي‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وتختص بأيام النحر، وهي ثلاثة‏:‏ عاشر ذي الحجة وحادي عشرة وثاني عشرة، أفضلها أولها‏)‏ لما روي عن عمر وعلي وابن عباس وابن عمر وأنس وأبي هريرة رضي الله عنهم أنهم قالوا‏:‏ أيام النحر ثلاثة أفضلها أولها، وهذا لا يهتدي إليه العقل فكان طريقه السمع فكأنهم قالوه عن النبي عليه الصلاة والسلام، وأفضلها أولها لما روينا، لكونه مسارعة إلى الخير والقربة، وأدناها آخرها لما فيه من التأخير عن فعل الخير، ويجوز ذبحها في أيامها ولياليها لأن الأيام إذا ذكرت بلفظ الجمع ينتظم ما بإزائها من الليالي كما في النذر لما عرف من قصة زكريا عليه السلام‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏فإن مضت ولم يذبح، فإن كان فقيرا وقد اشتراها تصدق بها حية‏)‏ لأنها غير واجبة على الفقير، فإذا اشتراها بنية الأضحية تعينت للوجوب، والإراقة إنما عرفت قربة في وقت معلوم وقد فات فيتصدق بعينها ‏(‏وإن كان غنيا تصدق بثمنها اشتراها أو لا‏)‏ لأنها واجبة عليه، فإذا فات وقت القربة في الأضحية تصدق بالثمن إخراجا له عن العهدة كما قلنا في الجمعة إذا فاتت تقضي الظهر والفدية عند العجز عن الصوم إخراجا له عن العهدة‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ويدخل وقتها بطلوع الفجر أول أيام النحر، إلا أن أهل المصر لا يضحون قبل صلاة العيد‏)‏ لقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏من ذبح قبل الصلاة فليعد ذبيحته، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين‏)‏ وقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏إن أول نسكنا في هذا اليوم الصلاة ثم الأضحية‏)‏ وهذا الشرط في حق من تجب عليه الصلاة؛ أما من لا تجب عليه وهم أهل السواد فيجوز ذبحه بعد طلوع الفجر، وهذا لأن العبادة لا يختلف وقتها بالمصر وعدمه كسائر العبادات‏.‏ أما شرطها يجوز أن يختلف، ألا ترى أن الظهر يمنع من فعلها يوم الجمعة قبل صلاة الإمام ولا يمنع ذلك في السواد كذا هذا؛ ولو ضحى بعد صلاة أهل المسجد قبل صلاة أهل الجبّانة لا يجوز قياسا لأنه ضحّى قبل الصلاة المعتبرة، وجاز استحسانا لحصولها بعد صلاة معتبرة فإن الاكتفاء بها جائز، ولو ضحى بها بعد أهل الجبانة قبل أهل المساجد، قال الكرخي‏:‏ كذلك، وقيل يجوز بكل وجه لأنها هي الأصل وصلاة أهل المصر لعذر، وقيل لا يجوز بكل وجه، لأن صلاة أهل المصر هي الأصل كسائر الصلوات، وخروج الآخرين بعذر ضيق المسجد عنهم فإن لم يصل الإمام في اليوم الأول لعذر لا يضحي حتى تزول الشمس، وفي اليوم الثاني تجوز قبل صلاة العيد وبعدها، رواه القدوري عن محمد، والمعتبر مكان الأضحية لإمكان المالك كما في الزكاة‏.‏ وعن الحسن أنه اعتبر مكان المالك كصدقة الفطر، فلو كان بالمصر وأهله بالسواد جاز أن يضحوا عنه قبل الصلاة وبالعكس لا، وعند الحسن خلاف ذلك، ويتأكد وجوبها آخر أيام النحر حتى لو افتقر في أيام النحر سقطت عنه، وإن افتقر بعدها لا تسقط ويتصدق بالثمن كما بينا؛ وكذا لو مات في أيام النحر سقطت وبعدها لا، ويجب عليه أن يوصي بالتصدق بثمنها ولو اشترى الفقير وضحى ثم أيسر في أيام النحر؛ قيل يعيد لأن العبرة لآخر الوقت، وقيل لا لأن الوجوب بطلوع الفجر أول الأيام‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ويأكل من لحمها، ويطعم الأغنياء والفقراء ويدخر‏)‏ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 28‏]‏ وقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها، وكنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فكلوا وادخروا‏)‏ وإنما يجوز أن يطعم الأغنياء لأنه يجوز له الأكل وهو غني فكذا غيره؛ ويستحب أن لا تنقص الصدقة عن الثلث لأن النصوص قسمتها بين الأكل والتصدق والادخار فيكون لكل واحد الثلث وينتفع بجلدها فيما يفرش وينام عليه، أو يعمل منه آلة تستعمل كالقربة والدلو والسفرة لما روي عن عائشة اتخذت من جلد أضحيتها سقاء، أو يشتري به آلة كالمنخل والغربال ولا يشتري به ما لا ينتفع به إلا بالاستهلاك كالأباريز ونحوها، لأن المأثور أن ينتفع به أو ببدله مع بقاء عينه، ولا يبيعه لقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏من باع جلد أضحيته فلا أضحية له‏)‏ فإن باعه شيء من النقود يتصدق به لأن وقت القربة قد فات فيتصدق به، كذا رواه محمد‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ويكره أن يذبحها الكتابي‏)‏ لأنها عبادة، وإن ذبحها جاز لأنه من أهل التذكية؛ والأولى أن يذبحها بنفسه إن كان يحسن الذبح لأنها عبادة، فإن فعلها بنفسه كان أفضل كما في سائر العبادات، والنبي عليه الصلاة والسلام ‏(‏ضحى بكبشين أملحين بذبح ويكبر ويسمي‏)‏ رواه أنس‏.‏ وروى جابر ‏(‏أنه عليه الصلاة والسلام ضحى بكبشين وقال حين وجههما‏:‏ وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلما، اللهم منك ولك، عن محمد وأمته بسم الله الله أكبر‏)‏ وإن كان لا يحسن الذبح فالأولى أن يوليها غيره، ويستحب أن يحضرها إن لم يذبحها، لقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏يا فاطمة بنت محمد قومي فاشهدي أضحيتك، فإنه يغفر لك بأول قطرة تقطر من دمها إلى الأرض كل ذنب، أما إنه يجاء بدمها ولحمها فيوضع في ميزانك وسبعون ضعفا، قال أبو سعيد الخدري‏:‏ يا نبي الله هذا لآل محمد خاصة فإنهم أهل لما خصوا به من الخير، أم لآل محمد وللمسلمين عامة ‏؟‏ قال‏:‏ لآل محمد وللمسلمين عامة‏)‏‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولو ذبح أضحية غيره بغير أمره جاز‏)‏ استحسانا ولا يجوز قياسا، وهو قول زفر، لأنه ذبح شاة غيره بغير أمره فيضمن، كما إذا ذبح شاة قصاب، وإذا ضمن لا يجزيه عن الأضحية‏.‏ وجه الاستحسان أنه لما اشتراها للأضحية فقد تعينت للذبح أضحية حتى وجب عليه أن يضحي بها فصار مستعينا بكل من كان أهلا للذبح على ذبحها آذنا له دلالة، لأنه ربما يعجز عن إقامتها لعارض يعرض له فصار كما إذا ذبح شاة شد القصاب رجلها ليذبحها، وإن كان تفوته المباشرة وحضورها، لكن يحصل له تعجيل البر وحصول مقصوده

بالتضحية بما عينه فيرضى به ظاهرا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولو غلطا فذبح كل واحد منهما أضحية الآخر جاز‏)‏ وفيه قياس واستحسان كما تقدم ‏(‏ويأخذ كل واحد منهما أضحيته من صاحبه مذبوحة ومسلوخة ولا يضمنه‏)‏ لأنه وكيله دلالة كما مر ‏(‏فإن أكلاها ثم علما فليتحللا ويجزيهما‏)‏ لأنه لو أطعم كل واحد منهما صاحبه ابتداء جاز ‏(‏وإن تشاجرا ضمن كل لصاحبه قيمة لحمه‏)‏ لأن التضحية لما وقعت لصاحبه كان اللحم له، ومن أتلف لحم أضحية غيره ضمنه، ثم يتصدق كل واحد منهما بما أخذ من القيمة لأنه بدل لحم الأضحية، فصار كما لو باع أضحيته‏.‏ فقير اشترى أضحية فضاعت فاشترى أخرى ثم وجد الأولى فعليه أن يضحي بهما، لأن الواجب على الفقير بالشراء بينة الأضحية بمنزلة النذر عرفا، والشراء قد تعدد، بخلاف الغني لأن الوجوب عليه بإيجاب الشرع، والشرع لم يوجب عليه إلا مرة واحدة‏.‏ وذكر الزعفراني‏:‏ إن أوجب الثانية إيجابا مستأنفا فعليه أن يضحي بهما، وإن أوجبها بدلا عن الأولى فله أن يذبح أيهما شاء، لأن الإيجاب متحد فاتحد الواجب، والله أعلم‏.‏

كتاب الجنايات

وهو جمع جناية، والجناية‏:‏ كل فعل محظور يتضمن ضررا، ويكون تارة على نفسه، وتارة على غيره، يقال‏:‏ جنى على نفسه وجنى على غيره؛ فالجناية على غيره تكون على النفس وعلى الطرف وعلى العرض وعلى المال؛ والجناية على النفس تسمى قتلا أو صلبا أو حرقا؛ والجناية على الطرف تسمى قطعا أو كسرا أو شجا، وهذا الباب لبيان هاتين الجنايتين وما يجب بهما‏.‏ والجناية على العرض نوعان‏:‏ قذف وموجبه الحد وقد بيناه‏.‏ وغيبة وموجبها الإثم، وهو من أحكام الآخرة‏.‏ والجناية على المال تسمى غصبا أو خيانة أو سرقة وقد بيناها وموجبها في كتابي السرقة والغصب بعون الله تعالى‏.‏ ثم القصاص مشروع ثبتت شرعيته بالكتاب والسنة إجماع الأمة‏.‏ أما الكتاب فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 178‏]‏ الآية‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 33‏]‏ أي أثبتنا لوليه سلطنة القتل‏.‏ والسنة قوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏من قتل قتلناه‏)‏ وقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏كتاب الله القصاص‏)‏ وعليه الإجماع والعقل، والحكمة تقتضي شرعيته أيضا، فإن الطباع البشرية والأنفس الشريرة تميل إلى الظلم والاعتداء وترغب في استيفاء الزائد على الابتداء سيما سكان البوادي وأهل الجهل العادلين عن سنن العقل والعدل كما نقل من عادتهم في الجاهلية، فلو لم تشرع الأجزية الزاجرة عن التعدي والقصاص من غير زيادة ولا انتقاص لتجرأ ذوو الجهل والحمية والأنفس الأبية على القتل والفتك في الابتداء وإضعاف ما جنى عليهم في الاستيفاء، فيؤدي ذلك إلى التفاني، وفيه من الفساد ما لا يخفى؛ فاقتضت الحكمة شرع العقوبات الزاجرة عن الابتداء في القتل والقصاص المانع من استيفاء الزائد على المثل فورد الشرع بذلك لهذه الحكمة حسما عن مادة هذا الباب فقال‏:‏ ‏{‏ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 179‏]‏‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏القتل المتعلق بالأحكام خمسة‏:‏ عمد، وشبه عمد، وخطأ، وما أجري مجرى الخطأ، والقتل بسبب‏)‏ ومعناه القتل الواقع ابتداء بغير حق الذي يتعلق به القصاص أو الدية والكفارة هذه الخمسة، وبيان الحصر أن القتل لا يخلو إما إن كان مباشرة أو لا، فإن لم يكن مباشرة فهو القتل بسبب؛ وإن كان مباشرة، فإما إن كان عمدا أو خطأ، فإن كان عمدا فإما إن كان بسلاح وما شابهه في تفريق الأجزاء أو بغير ذلك؛ فإن كان فهو العمد، وإن كان بغيره فهو شبه العمد، وإن كان خطأ، فإما إن كان حالة اليقظة أو حالة النوم، فإن كان حالة اليقظة فهو الخطأ، وإن كان حالة النوم فهو الذي أجري مجراه، ولئن قيل قتل المكره ليس مباشرة من المكره وقد جعلتموه عمدا حتى أوجبتم عليه القصاص‏.‏ قلنا لما كان المكره مطلوب الاختيار لم يضف الفعل إليه فجعلناه كالآلة في يد المكره وانتقل فعله إليه، فكأن المكره قتله بآلة أخرى فصار مباشرة تقديرا وشرعا، وتمامه يعرف في الإكراه‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏فالعمد أن يتعمد الضرب بما يفرق الأجزاء كالسيف والليطة والمروة والنار‏)‏ لأن العمد فعل القلب لأنه القصد، وذلك لا يتوقف عليه إلا بدليله وهو مباشرة الآلة الوجبة للقتل عادة، وأنه موجود فيما ذكرناه فكان عمدا، ولو قتله بحديد أو صفر غير محدد كالعمود والسنجة ونحوهما فيه روايتان في ظاهر الرواية هو عمد نظرا إلى أنه أصل الآلة، وفي رواية الطحاوي ليس بعمد لأنه لا يفرّق الأجزاء؛ ولو طعنه برمح لا سنان له فجرحه فهو عمد لأنه إذا فرّق الأجزاء فهو كالسيف‏.‏ وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة فيمن ضرب رجلا بإبرة وما يشبهه عمدا فمات لا قود فيه؛ وفي المسلّة ونحوها القود لأن الإبرة لا يقصد بها القتل عادة ويقصد بالمسلة، وفي رواية أخرى إن غرز بالإبرة في المقتل قتل وإلا فلا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وحكم المأثم والقود‏)‏ أما المأثم فبالإجماع، ولقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 93‏]‏ وقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏الآدمي بنيان الرب ملعون من هدمه‏)‏ والنصوص فيه كثيرة‏.‏ وأما القود فلقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كتب عليكم القصاص في القتلى‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 178‏]‏ والمراد به العمد لأنه لا قصاص في غيره، وقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏العمد قود‏)‏ أي حكمه وموجبه‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏إلا أن يعفو الأولياء‏)‏ لأن الحق لهم‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏أو وجوب المال عند المصالحة برضى القاتل في ماله‏)‏ لأن الحق له، فإذا صالح عنه بعوض ورضي غريمه قليلا كان أو كثيرا جاز كما في سائر الحقوق، ويجب في مال القاتل لقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏لا تعقل العاقلة عمدا ولا صلحا‏)‏ وهذا عمد وصلح فلا تتحمله العاقلة فيجب في ماله على ما شرطا من التأجيل والتعجيل والتنجيم، قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏المؤمنون عند شروطهم‏)‏ فإن لم يذكرا شيئا فهو حال كسائر المعاوضات عند الإطلاق، والأصل فيه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 178‏]‏ والمراد به الصلح، وهذا لأن موجب العمد القود عينا فلا يجب المال إلا بالصلح برضا القاتل، بيانه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 45‏]‏ فلو وجب المال أو أحدهما لا يكون النفس بالنفس، وشريعة من تقدمنا تلزمنا إلا أن يثبت النسخ، وجميع أحاديث التخيير بين القصاص والدية أخبار آحاد لا ينسخ بها الكتاب، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كتب عليكم القصاص‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 178‏]‏ وهو المماثلة لغة، والمماثلة بين النفس والنفس لا بينها وبين المال؛ أو نقول ذكر القصاص ولم يذكر الدية، فلو ثبت التخيير أو الدية لثبت بخبر الواحد وأنه زيادة على الكتاب، والزيادة نسخ والكتاب لا ينسخ به‏.‏ وقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏العمد قود‏)‏ وقال‏:‏ ‏(‏كتاب الله القصاص‏)‏ وقد مر التمسك به‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏أو صلح بعضهم أو عفوه، فتجب بقية الدية على العاقلة‏)‏ لأنه حق مشترك بين الورثة، فإن النبي عليه الصلاة والسلام، ورّث امرأة أشيم الضباني من عقله، وإذا كان مشتركا بينهم فلكل منهم العفو عن نصيبه؛ والصلح عنه كغيره من الحقوق، فإذا صالح البعض أو عفا تعذر القصاص لأنه لا يتجزأ وقد سقط البعض فيسقط الباقي ضرورة، وإذا سقط انقلب نصيب القاضي مالا لئلا يسقط لا إلى عوض، ولا يجب على القاتل لأن الشرع ما أوجبه عليه كما مر ولا التزمه فيجب على العاقلة لأنه وجب بغير قصد من القاتل فصار كالخطأ، وليس للعافي منه شيء لسقوط حقه بعفوه‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏أو عند تعذر استيفائه لشبهة كقتل الأب ابنه فتجب الدية في ماله في ثلاث سنين‏)‏ وهذا لأن الأب لا يقتل بابنه، قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏لا يقاد والد بولده‏)‏ ولأنه جزؤه، فأورث شبهة في القصاص فسقط، وإذا سقط القصاص تجب الدية في ماله لأنه عمد، وتجب في ثلاث سنين لما يأتي إن شاء الله تعالى‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولا كفارة في العمد‏)‏ لأن الله تعالى لم يوجبها فيه حيث لم يذكرها ولو وجبت لذكرها كما ذكرها في الخطأ ولأنه كبيرة‏.‏ وفي الكفارة معنى العبادة فلا يتعلق بها ولا يقاس على الخطأ فإن جناية العمد أعظم، فلا يلزم من رفعها للأدنى رفعها للأعلى‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وشبه العمد‏:‏ أن يتعمد الضرب بما لا يفرق الأجزاء كالحجر والعصا واليد‏)‏ وقالا‏:‏ إذا ضربه بحجر عظيم أو خشبة عظيمة فهو عمد؛ وشبه العمد عندهما أن يتعمد الضرب بما لا يقتل غالبا كالسوط والعصا الصغيرة‏.‏ لأن معنى العمدية قاصرة فيهما لما أنه لا يقتل عادة، ويقصد به غير القتل كالتأديب ونحوه فكان شبه العمد؛ أما الذي لا يلبث ولا يتقاصر عن عمل السيف في إزهاق الروح فيكون عمدا‏.‏ وروي أن يهوديا رضخ رأس جارية

بالحجر، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بالقصاص‏.‏ ولأبي حنيفة قوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏ألا إن قتيل خطأ العمد قتيل السوط والعصا، وفيه مائة من الإبل‏)‏ من غير فصل بين عصا وعصا‏.‏ وروى النعمان بن بشير عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال‏:‏ ‏(‏كل شيء خطأ إلا السيف، وفي كل خطأ أرش‏)‏ وعن علي رضي الله عنه أنه قال‏:‏ شبه العمد‏:‏ الحذفة بالعصا والقذفة بالحجر، فالنبي عليه الصلاة والسلام سماه خطأ العمد لأنه عمد من جهة الفعل خطأ من جهة الحكم، لأن آلته ليست آلة العمد، ولأن معنى العمدية فيه قاصر لكونه آلة غير موضوعة للقتل ولا مستعملة فيه، وهذا لأنه لا يمكن قتله بها على غرة منه فيمكنه الاحتراز منه، بخلاف السيف وأخواته فإنها تستعمل على غرة من المقتول فكان شبه العمد كالعصا والسوط الصغيرين، ولأن القتل إفساد الآدمي صورة ومعنى؛ أما صورة فبنقض التركيب؛ وأما معنى فإفساد المنافع، وقد وجد القتل ههنا معنى لا سورة، فلو وجب القصاص وأنه يجب بالسيف عملا بالحديث يكون قتلا صورة ومعنى فلا توجد المماثلة الواجبة بالنصوص؛ وأما اليهودي فالنبي عليه الصلاة والسلام قتله سياسة، فإنه روي أنه كان اعتاد ذلك، وعندنا متى تكرر منه ذلك فللإمام أن يقتله سياسة‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وموجبه الإثم‏)‏ لأنه قتل عن قصد ‏(‏والكفارة‏)‏ لشبهه بالخطأ، وفيها معنى العبادة فيحتاط في إيجابها ‏(‏والدية مغلظة على العاقلة‏)‏ لأن كل دية تجب بالقتل من غير صلح ولا عفو لبعض فإنها تجب على العاقلة على ما يأتي في الديات، وسنبين كيفية وجوبها والتغليظ وقدرها ثم إن شاء الله تعالى‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وهو عمد فيما دون النفس‏)‏ لأن إتلاف النفس يختلف باختلاف الآلة، وما دونها لا يختص بآلة دون آلة، فبقي المعتبر تعمد الضرب وقد وجد فكان عمدا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏والخطأ أن يرمي شخصا يظنه صيدا أو حربيا فإذا هو مسلم‏)‏ وهو خطأ في القصد ‏(‏أو يرمي غرضا فيصيب آدميا‏)‏ وهو خطأ في الفعل ‏(‏وموجبه الكفارة والدية على العاقلة‏)‏ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 92‏]‏ ‏(‏ولا إثم عليه‏)‏ قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏رفع عن أمتي الخطأ والنسيان‏)‏ الحديث، وقيل المنفي إثم القتل، وإنما يأثم من حيث ترك الاحتراز والتثبت حالة الرمي، ولهذا وجبت الكفارة‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وما أجري مجرى الخطأ‏:‏ مثل النائم ينقلب على إنسان فيقتله فهو كالخطأ‏)‏ في الحكم لأن النائم لا قصد له فلا يوصف فعله بالعمد ولا بالخطأ، إلا أنه في حكم الخطأ لحصول الموت بفعله كالخاطئ‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏والقتل بسبب كحافر البئر وواضع الحجر في غير ملكه وفنائه فيعطب به إنسان، وموجبه الدية على العاقلة لا غير‏)‏ لأنه متعد فيما وضعه وحفره فجعل دافعا موقعا فتجب الدية على العاقلة، ولا يأثم فيه لعدم القصد، ولا كفارة عليه لأنه لم يقتل حقيقة، وإنما ألحقناه بالقاتل في حق الضمان فبقي ما وراءه على الأصل، وسواء كان الواقع حرا أو عبدا أو دابة فضمانه عليه، بذلك قضى شريح بمحضر من الصحابة من غير نكير منهم، ولو سقاه سما فقتله فهو مسبب لأنه لم يقتله مباشرة ولا هو موضوع للقتل، ولهذا يختلف باختلاف الطبائع، وإن دفعه إليه فشربه فلا شيء عليه ولا على عاقلته، لأن الشارب هو الذي قتل نفسه، فصار كما إذا تعمد الوقوع في البئر‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وكل ذلك يوجب حرمان الإرث إلا القتل بسبب‏)‏ قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏لا ميراث لقاتل‏)‏ والمسبب ليس بقاتل ولا متهم، لأنه لا يعلم أن مورثه يقع في البئر وهو متهم في الخطأ لاحتمال أنه قصد ذلك في الباطن‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولو مات في البئر غما أو جوعا فهو هدر‏)‏ وقال محمد‏:‏ يضمن الحافر فيهما‏.‏ وقال أبو يوسف‏:‏ يضمن في الغم دون الجوع؛ لأن الغم بسبب البئر والوقوع فيها، أما الجوع بسبب فقد الطعام ولا مدخل للبئر في ذلك‏.‏ ولمحمد أن الجوع أيضا بسبب الوقوع إذ لولاه لكان الطعام قريبا منه‏.‏ ولأبي حنيفة أنه لم يمت بالوقوع فلا يضمن، وإنما مات لمعنى في نفسه وهو الجوع والغم، وذلك غير مضاف إلى الحافر فلا يكون مسببا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏والكفارة عتق رقبة مؤمنة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين‏)‏ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فلمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏ 4‏]‏ ولا يجزي فيها الطعام لأن الكفارات لا تعلم إلا نصا ولا نص فيه‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏في قتل الحر بالعبد‏]‏

‏(‏ويقتل الحر بالحر وبالعبد‏)‏ أما الحر بالحر فلا خلاف فيه، قال تعالى‏:‏ ‏{‏الحر بالحر‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 45‏]‏ وأما الحر بالعبد فلقوله تعالى‏:‏ ‏{‏النفس بالنفس‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 45‏]‏ وقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏المسلمون تتكافأ دماؤهم‏)‏ ولأنهما تساويا في عصمة الدم فيجب القصاص للمساواة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الحر بالحر‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 45‏]‏ لا يدل على عدم جواز قتل الحر بالعبد لأنه تخصيص بالذكر فلا يدل على نفي ما سواه؛ ألا يرى أنه يقتل العبد بالحر والذكر بالأنثى والأنثى بالذكر فلا حجة فيه ونحن نعمل به وبقوله‏:‏ ‏{‏النفس بالنفس ‏(‏وبالحديث فكان أولى من العمل به خاصة‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏والرجل بالمرأة، والصغير بالكبير‏)‏ لإطلاق النصوص‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏والمسلم بالذمي‏)‏ لما روى جابر أن النبي عليه الصلاة والسلام قاد مسلما بذمي وقال‏:‏ ‏(‏أنا أحق من وفى بذمته‏)‏ ولاستوائهما في العصمة المؤبدة، ولأن عدم القصاص تنفير لهم عن قبول عقد الذمة وفيه من الفساد ما لا يخفى، والمراد بقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏لا يقتل مسلم بكافر‏)‏ الحربي، لأن الكافر متى أطلق ينصرف إلى الحربي عادة وعرفا فينصرف إليه توفيقا بين الحديثين ‏(‏ولا يقتلان‏)‏ يعني المسلم والذمي ‏(‏بالمستأمن‏)‏ لعدم التساوي فإنه غير محقون الدم على التأبيد وحرابه يوجب إباحة دمه، فإنه على عزم العود والمحاربة‏.‏ وعن أبي يوسف أنه يقتل به اعتبارا بالعهد وصار كالذمي وجوابه مر ‏(‏ويقتل المستأمن بالمستأمن‏)‏ للمساواة‏.‏ وقيل لا يقتل، وهو الاستحسان لقيام المبيح‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ويقتل الصحيح بالزمن والأعمى وبالمجنون وبناقص الأطراف‏)‏ لما تقدم من العمومات، ولأنا لو اعتبرنا التفاوت فيما وراء العصمة من الأطراف والأوصاف لامتنع القصاص وأدى ذلك إلى التقاتل والتفاني‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولا يقتل الرجل بولده، ولا بعبده، ولا بعبد ولده، ولا بمكاتبه‏)‏ قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏لا يقاد والد بولده ولا سيد بعبده‏)‏ ولأن الإنسان لا يجب لنفسه على نفسه قصاص، ولا لولده عليه لما تقدم، والمدبر وأم الولد كالعبد، وكذا لا يقتل بعبد ملك بعضه، لأن القصاص لا يتجزأ‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ومن ورث قصاصا على أبيه سقط‏)‏ لأن الابن لا يثبت له قصاص على الأب لما مر ‏(‏والأم والأجداد والجدات من أي جهة كانوا كالأب‏)‏ لما بينهما من الجزئية، ولأنهم كانوا السبب في إيجاده فصاروا كالأب‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ومن جرح رجلا عمدا فمات فعليه القصاص‏)‏ معناه إذا مات منها بأن لم يعرض له عارض آخر يضاف الموت إليه لأنه قتله عمدا فيجب القصاص‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولا يستوفى القصاص إلا بالسيف‏)‏ قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏لا قود إلا بالسيف‏)‏ والمراد به السلاح‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولا قصاص على شريك الأب والمولى والخاطئ والصبي والمجنون وكل من لا يجب القصاص بقتله‏)‏ لأنه قتل حصل بسببين‏:‏ أحدهما غير موجب للقود وهو لا يتجزى فلا يجب، لأن الأصل في الدماء الحرمة، والنصوص الموجبة للقصاص مختصة بحالة الانفراد وموضع يمكن القصاص وهو غير ممكن هنا لعدم التجزي فلا يتناوله النص، ثم من يجب عليه القصاص لو انفرد عليه نصف الدية في ماله لأن فعله عمد، وإنما لم يجب القصاص لتعذر الاستيفاء، والعاقلة لا تعقل العمد لما روينا، ونصفها الآخر على عاقلة الآخر إن كان صبيا أو مجنونا أو خطأ، لأن الدية تجب فيه بنفس القتل، فإن عمد الصبي والمجنون خطأ، قال علي رضي الله عنه، وإن كان الأب ففي ماله على ما تقدم‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإذا قتل عبد الرهن فلا قصاص حتى يجتمع الراهن والمرتهن‏)‏ لأنه تعلق به حق كل واحد منهما، فالمرتهن لا ملك له فيه فلا يليه، والراهن ملكه لكن لو قتله بطل حق المرتهن فاشترط اجتماعهما ليسقط حق المرتهن فلا يرجع على الراهن‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإذا قتل المكاتب عن وفاء وله ورثة غير المولى فلا قصاص أصلا‏)‏ لاشتباه الولي فإنه إن مات عبدا فالمولى وليّه فإن مات حرا فالوارث وليّه، والمسألة مختلفة بين الصحابة رضي الله عنهم فاشتبه الولي فتعذر الاستيفاء ‏(‏وإن لم يترك وفاء فالقصاص للمولى‏)‏ لأنه مات عبدا بالإجماع ‏(‏وإن قتل عن وفاء ولا وارث له إلا المولى فله القصاص‏)‏ لأن حق الاستيفاء له حرا مات أو عبدا، والحكم واحد وهو القود، واختلاف السبب لا يفضي إلى المنازعة‏.‏ وقال محمد‏:‏ لا قصاص لاشتباه سبب الاستيفاء بالولاية أو بالرق، وجوابه ما مرّ‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإذا كان القصاص بين كبار وصغار فللكبار الاستيفاء‏)‏ وقالا‏:‏ ليس للكبار، وذلك لأنه حق مشترك بينهم فلا ينفرد به أحدهم كالحضر مع الغائب وأحد الموليين‏.‏ ولأبي حنيفة أن القصاص لا يتجزى لأنه ثبت بسبب لا يتجزى وهي القرابة، فثبت لكل واحد منهم كملا كولاية الإنكاح والموليان على الخلاف، والعفو من الصغير غير محتمل، وفي انتظار بلوغه تفويت الاستيفاء على سبيل الاحتمال، بخلاف الكبيرين والغائب لأن احتمال العفو منه ثابت فافترقا، ولو كان الكل صغارا قيل يستوفي السلطان، وقيل ينتظر بلوغ أحدهم، والمجنون والمعتوه كالصبي، ولأن الصبي مولى عليه، فإذا استوفاه الكبير كان بعضه أصاله وبعضه نيابة‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإذا قتل ولي الصبي والمعتوه فللأب أو القاضي أن يقتل أو يصالح وليس له العفو، والوصي يصالح لا غير‏)‏ أما الأب فله ولاية على النفس، وهذا من بابه شرع لأمر راجع إليها وهو التشفي فيثبت له التشفي بالقتل كولاية النكاح؛ وإذا ثبت له ولاية القتل ثبت له ولاية الصلح لأنه أنفع للصبي، وليس له أن يعفو لأنه إبطال الحق بغير عوض، وعلى هذا قطع يد المعتوه عمدا، وكذلك القاضي لأنه بمنزلة السلطان‏.‏ ومن قتل ولا ولي له فللسلطان أن يستوفي القصاص، فكذلك القاضي؛ وأما الوصي فلا يملك العفو لما ذكرنا، ولا القصاص لأنه لا ولاية له على النفس فتعين الصلح صيانة للحق عن البطلان‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولا قصاص في التخنيق والتغريق‏)‏ خلافا لهما، وهي مسألة القتل بالمثقل، فإن تكرر منه ذلك فللإمام قتله سياسة لأنه سعى في الأرض الفساد‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وتقتل الجماعة بالواحد‏)‏ لما مر من العمومات، ولما روي أن سبعة من صنعاء قتلوا واحدا فقتلهم عمر رضي الله عنه وقال‏:‏ لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به، وذلك بمحضر من الصحابة من غير نكير فكان إجماعا، وهذا بخلاف ما إذا اجتمعوا على قطع يد حيث لا يقطعون، لأن القصاص في النفس يجب بإزهاق الروح ولأنه لا يتبعض فيصير كل واحد كالمنفرد في إتلافها‏.‏ أما القطع يتبعّض، فيكون الواحد متلفا بعض اليد، ولأن الاجتماع على القتل أكثر فكان شرع الزاجر فيه دفعا لأغلب الجنايتين وأعظمهما فلا يلزم شرعه لدفع أدناهما‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ويقتل الواحد بالجماعة اكتفاء‏)‏ وصورته‏:‏ رجل قتل جماعة فإنه يقتل ولا يجب عليه شيء آخر، لأنهم إن اجتمعوا على قتله وزهوق الروح لا يتبعّض يصير كل واحد منهم مستوفيا جميع حقه لما بينا، فلا يجب له شيء من الأرش ‏(‏وإن قتله ولي أحدهم سقط حق الباقين‏)‏ لأن حقهم في القصاص وقد فات، وصار كما إذا مات القاتل فإنه يسقط القصاص لفوات محله كذا هذا وصار كموت العبد الجاني‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ومن رمى إنسانا عمدا فنفذ منه إلى آخر وماتا فالأول عمد‏)‏ لأنه تعمد رميه، وفيه القصاص على ما بينا ‏(‏والثاني خطأ‏)‏ لأنه لم يقصده فكان خطأ لما مر‏.‏ ومن نهشته حية وعقره سبع وشجّ نفسه وشجّه آخر، فعلى الشاجّ ثلث الدية والباقي هدر لأنه تلف بثلاثة أنواع‏:‏ جناية معتبرة في الدنيا والآخرة، وهي فعل الأجنبي؛ وجناية هدر في الدنيا والآخرة، وهي فعل السبع والحية، وجناية معتبرة في الآخرة هدر في الدنيا، وهو فعله، فيكون على الأجنبي ثلث دية النفس لأنه أتلف الثلث‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏القصاص في الأطراف‏]‏

‏(‏ولا يجري القصاص في الأطراف إلا بين مستوى الدية إذا قطعت من المفصل وتماثلت‏)‏ والأصل فيه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والجروح قصاص‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 45‏]‏ وأنه يقتضي المماثلة، ولأن الأطراف يسلك بها مسلك الأموال، ولهذا لا يقطع الصحيح بالأشل والكامل بالناقصة الأصابع لاختلافهما في القيمة، بخلاف النفس على ما مر‏.‏ وإذا كان كذلك تنتفي المماثلة بانتفاء المساواة في المالية، والمالية معلومة بتقدير الشرع فأمكن اعتبار التساوي فيها، ولا يمكن التساوي في القطع إلا إذا كان من المفصل‏.‏ إذا ثبت هذا فنقول‏:‏ لا يجري القصاص في الأطراف بين الرجل والمرأة، ولا بين الحر والعبد لاختلافهما في القيمة وهي الدية، ولا بين العبيد لأنهم إن تفاوتت قيمتهم فظاهر، وإن تساوت فذلك مبني على الحزر والظن فلا يثبت به القصاص‏.‏ ونص محمد على جريان القصاص بين الرجل والمرأة في الشجاج التي يجري فيها القصاص، لأنه ليس في الشجاج تفويت منفعة وإنما هو إلحاق شين وقد استويا فيه، وفي الطرف تفويت المنفعة وقد اختلفا فيها، ويجري بين المسلم والذمي لتساويهما في الدية‏.‏ ثم النقصان نوعان‏:‏ نقص مشاهد كالشلل فيمنع من استيفاء الكامل بالناقص، ولا يمنع من استيفاء الناقص بالكامل‏.‏ ونقص من طريق الحكم كاليمين مع اليسار، فيمنع استيفاء كل واحد من الطرفين بالآخر‏.‏ وكذا الأصابع لا يقطع إلا بمثلها اليمين باليمين واليسار باليسار، وكذا العين اليمين باليمين واليسار باليسار، والناب بالناب، والثنية بالثنية، والضرس بالضرس، ولا يؤخذ الأعلى بالأسفل، لأن القصاص ينبئ عن المساواة ولا مساواة إلا بالتساوي في المنفعة والقيمة والعضو، وقس على هذا أمثاله؛ فإذا قطع يده غيره من المفصل قطعت يده لما مر، ولا معتبر بكبر اليد وصغرها لأن منفعة اليد لا تختلف بذلك وكذلك كل عضو يقطع من المفصل كالرجل ومارن الأنف وهو ما لان منه، والأذن بالأذن لإمكان المماثلة بينهما في القطع‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏والأنف بالأنف والأذن بالأذن ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 45‏]‏‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولا قصاص في اللسان ولا في الذكر إلا أن تقطع الحشفة‏)‏ لأن كل واحد منهما ينقبض وينبسط فلا يمكن المماثلة بينهما في القطع فلا قصاص، بخلاف ما إذا قطع الحشفة فإنه معلوم كالمفصل، ولو قطع بعضها وبعض الذكر فلا قصاص لتعذر المساواة‏.‏ أما الأذن لا تنقبض فيمكن المماثلة سواء قطعها أو بعضها‏.‏ وأما الشفة إن قطعها جميعها وجب القصاص لإمكان المساواة، وإن قطع بعضها لا قصاص لتعذرها‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولا قصاص في عظم إلا السن‏)‏ روي ذلك عن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما، ولأن المماثلة متعذرة فيما سواه من العظام، لأنه إذا كسر موضع ينكسر موضع آخر لأنه أجوف كالقارورة ممكنة في السن، قال تعالى‏:‏ ‏{‏والسن بالسن‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 45‏]‏ ‏(‏فإن قلع يقلع‏)‏ سنّه ‏(‏وإن كسر يبرد بقدره‏)‏ تحقيقا للمساواة، حتى لو كان السن بحال لا يمكن برده لا قصاص، وتجب الدية في ماله، ولا اعتبار بالكبر والصغر لاستوائهما في المنفعة‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولا قصاص في العين‏)‏ لتعذر المساواة ‏(‏إلا أن يذهب ضوؤها وهي قائمة‏)‏ فيمكن القصاص ‏(‏بأن يوضع على وجهه قطن رطب وتقابل عينه بالمرآة المحماة حتى يذهب ضوؤها‏)‏ روي ذلك عن علي رضي الله عنه وغيره من الصحابة، لأنه طريق إلى استيفاء القصاص فيسلك‏.‏ وعن أبي يوسف‏:‏ لا قصاص في الأحول لأنه نقص في العين كالشلل في اليد‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولا تقطع الأيدي باليد‏)‏ وقد بيناه ‏(‏وتجب الدية‏)‏ لأنه متى تعذر القصاص تجب الدية لئلا تخلو الجناية عن موجب‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ومن قطع يميني رجلين قطعا يمينه وأخذا منه دية الأخرى بينهما‏)‏ لأنهما استويا في سبب الاستحقاق كالغرماء في التركة ‏(‏فإن قطعها أحدهما مع غيبة الآخر فللآخر دية يده‏)‏ لأن الحاضر استوفى حقه وبقي حق الغائب وتعذر استيفاء القصاص فيصار إلى الدية‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإذا كان القاطع أشل أو ناقص الأصابع، فالمقطوع إن شاء قطع المعيبة، وإن شاء أخذ دية يده‏)‏ لأنه تعذر استيفاء حقه كملا، فإن رضي بدون حقه أخذه ولا شيء له غيره، وإن شاء أخذ العوض وهو الأرش، كمن غصب مثليا فأتلفه ثم انقطع عن أيدي الناس، فللمالك أن يأخذ القيمة كذا هذا؛ ولو سقطت اليد المعيبة أو قطعت ظلما فلا شيء عليه لتعين حقه في القصاص، وإنما يصير مالا باختياره فيسقط بفوات محله؛ ولو قطعت في قصاص أو سرقة فعليه الأرش لأنه أوفى بها حقا مستحقا عليه فهي سالمة له معنى ‏(‏وكذلك لو كان رأس الشاجّ أصغر‏)‏ لأنه تعذر استيفاء حقه كاملا لأنه إن أخذ بقدر شجّته مساحة يتعدى إلى غير حقه، لأنه إذا شجّ ما بين قرنيه وما بين قرني الشاجّ أقل مساحة، فإذا استوفى مقدرا شجته وهو إنما يستحق ما بين قرنيه فقد تعدى إلى غير حقه فيتخير كما قلنا‏:‏ ‏(‏ولو كان رأس الشاج أكبر فالمشجوج إن شاء أخذ بقدر شجته، وإن شاء أخذ أرشها‏)‏ لأنه لو أخذ ما بين قرني الشاج يزداد شين الشاج بطول الشجة، وليس له ذلك فيتخير لما مر، وكذلك إذا استوعبت الشجة من جبهته إلى قفاه، ولا يبلغ قفا الشاج يخير كما قلنا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ومن قطع يد رجل خطأ ثم قتله عمدا قبل البرء أو خطأ بعده، أو قطع يده عمدا ثم قتله خطأ أو عمدا بعد البرء أخذ بالأمرين‏)‏ والأصل فيه أنه متى أمكن الجمع بين الجراحات تجمع، لأن القتل غالبا إنما يقع بجراحات متعاقبة، فلو اعتبرنا كل جراحة على حدة أدى إلى الحرج، وإذا لم يمكن يعطي كل جراحة حكمها، وفي هذه المسائل تعذر الجمع‏.‏ أما الأول فلتغاير الفعلين وتغاير حكمهما، وكذلك الثالثة‏.‏ وأما الثانية والرابعة فلتخلل البرء بينهما وأنه قاطع للسراية حتى لو لم يتخلل بينهما برء يجمع بينهما، ويكتفي بدية واحدة في الخطأين، وكذلك عندهما في العمدين بأن قطع يده عمدا، ثم قتله عمدا قبل البرء يجمع بينهما ويقتل ولا يقطع، لأن الفعل متحد ولم يتخلل البرء فيجمع بينهما كما في الخطأ‏.‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ إن شاء الإمام قال لهم‏:‏ اقطعوه ثم اقتلوه، وإن شاء قال لهم‏:‏ اقتلوه، لأن الجمع متعذر لأن الواجب القود وهو يعتمد المساواة وذلك بأن يكون القطع بالقطع والقتل بالقتل فتعذر الجمع، أو لأن القتل يمنع إضافة السراية إلى القطع، ألا ترى أنهما لو وجدا من شخصين يجب القصاص على القاتل فصار كما إذا تخلل البرء، بخلاف ما إذا سرى القطع لأن الفعل واحد، وبخلاف الخطأين لأن الواجب الدية ولا يعتبر فيها المساواة‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ومن قطع يد غيره فعفا عن القطع ثم مات فعلى القاطع الدية في ماله، ولو عفا عن القطع وما يحدث منه فهو عفو عن النفس والشجة كالقطع‏)‏ وقالا‏:‏ هو عفو عن النفس في المسألتين جميعا، لأن العفو عن القطع أو عن الشجة عفو عن موجبه، وموجبه القطع لو برأ، والقتل لو سرى، فكان عفوا عن أيهما تحقق وصار كما إذا عفا عن الجناية، فإنه يتناول الجناية المقتصرة والسارية كذا هذا‏.‏ ولأبي حنيفة أنه قتل نفسا معصومة عمدا، فيجب القصاص قياسا، والعفو وقع عن القطع لا عن القتل، إلا أنا استحسنا وقلنا تجب الدية في ماله لوجود صورة العفو، وذلك يوجب شبهة وهي دارئة للقصاص، بخلاف العفو عن الجناية لأنه يعم اسم جنس، وبخلاف قوله وما يحدث منه لأنه صريح في العفو عن القتل، ثم إن كان خطأ يعتبر عفوه من الثلث لأن موجبه المال وحق الورثة متعلق بالمال، وإن كان عمدا فمن جميع المال، لأن موجبه القصاص ولم يتعلق به حق الورثة لأنه ليس بمال‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإذا حضر أحد الوليين وأقام البينة على القتل ثم حضر الآخر فإنه يعيد البينة‏)‏ وقالا‏:‏ لا إعادة عليه ولو كان القتل خطأ لا يعيدها بالإجماع، وأجمعوا أن الحاضر لا يقتص حتى يحضر الغائب لاحتمال العفو‏.‏ لهما أن القصاص حق الميت بدليل صحة عفوه حال حياته بعد الجرح، ولو انقلب مالا يقضى منه يدونه وتنفذ وصاياه ويورث عنه فيقوم الواحد مقام الجميع في إقامة البينة‏.‏ ولأبي حنيفة أن القصاص حق المقتول من وجه لما قالا، وحق الورثة من وجه، فإن الوارث لو عفا عن الجارح حال حياة المجروح صح عفوه، ولو لم يكن حقه لما صح كإبراء الغريم فكان الاحتياط في الإعادة، بخلاف الخطأ لأن الواجب المال وهو حق المقتول من كل وجه لأنه يصرف في حوائجه أولا، وليس مبناه على التغليظ حتى يثبت بشهادة النساء مع الرجال وبالشهادة على الشهادة ولا كذلك العمد‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ورجلان أقر كل واحد منهما بالقتل فقال الولي قتلتماه فله قتلهما، ولو كان مكان الإقرار شهادة فهو باطل‏)‏ وهو أن يشهد شاهدان أن زيدا قتله وآخران أن عمرا قتله، فقال الولي‏:‏ قتلاه، والفرق أنه كذّب الشهود حيث قال قتلاه، وكذّب المقرين حيث قال قتلتماه، وتكذيب الشهود تفسيق لهم، والفسق يمنع قبول الشهادة، وتكذيب المقر في بعض ما أقر به لا يبطل إقراره في الباقي فافترقا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولو رمى مسلما فارتد والعياذ بالله، ثم وقع السهم به ففيه الدية، ولو كان مرتدا فأسلم لا شيء فيه؛ ولو رمى عبدا فأعتقه مولاه ففيه القيمة‏)‏ أما الأولى فمذهبه، وقالا‏:‏ لا شيء فيه لأنهما يعتبران حالة الإصابة لأنها حالة التلف الموجبة للعقوبة، وحالة التلف أسقط عصمة نفسه بالردة، فكأنه أبرأ الرامي فصار كما إذا أبرأه بعد الجرح قبل الموت، وله أنه صار قاتلا برميه وأنه متقوّم معصوم عند الرمي لوجوده قبل الردة‏.‏ وقضيته وجوب القصاص إلا أن باعتبار حالة القتل أورث شبهة لردته فسقط القصاص فتجب الدية‏.‏ فأبو حنيفة يعتبر حالة الرمي، ألا ترى أنه لو رمى إلى صيد ثم ارتد ثم وقع به السهم حل، وكذا إذا رمى إلى صيد ثم مات ثم أصابه حل ويكون له، ولو كفر بعد الرمي قبل الإصابة أجزأ عنه، وذلك دليل أن المعتبر حالة الرمي‏.‏ وأما المسألة الثانية فبالإجماع لأن الرمي ما وقع سببا للضمان لأن المرمي غير متقوّم فلا ينقلب سببا بعد ذلك، وعلى هذا إذا رمى حربيا فأسلم ثم وقع به السهم لا شيء عليه لما قلناه‏.‏ وأما المسألة الثالثة فقول أبو حنيفة وأبي يوسف وقال محمد‏:‏ يجب فضل ما بين قيمته مرميا إلى غير مرمي، لأن العتق قاطع للسراية فبقي الرمى جناية ينتقص بها قيمة المرمي إليه فيجب النقصان‏.‏ ولهما ما بينا أن المعتبر حالة الرمي فيصير قاتلا من وقت الرمي وهو مملوك فتجب قيمته، وهذا بخلاف ما إذا قطع طرف عبد ثم أعتقه مولاه ثم مات العبد يجب عليه أرش اليد مع النقصان الذي نقصه القطع إلى أن أعتق، ولا يجب عليه قيمة النفس لأنه أتلف بعض المحل وأنه يوجب الضمان للمولى، ولو وجب بعد السراية شيء لوجب للعبد، فتصير نهاية الجناية مخالفة لابتدائها، وهنا الرمي قبل الإصابة لا يجب به الضمان لأنه ليس بإتلاف وإنما تقل به الرغبات فلا تختلف نهايته وبدايته‏.‏